ابن عطاء الله السكندري

53

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

مّخذولا : متروكا بلا نصير مع حاجتك إليه . فنهى اللّه الخلق كلهم عن أن يعتقدوا معه شريكا في ألوهيته ، فيعبدوه معه ، ليعتقدوا أنه الإله . وحده فيعبدوه وحده . وبين لهم أنهم إن اعتقدوا معه شريكا وعبدوه معه فإن عبادتهم تكون باطلة ، وعملهم يكون مردودا عليهم ، وأنهم يكونون مذمومين من خالقهم ، ومن كل عقل سليم من الخلق ، يكونون مخذولين لا ناصر لهم : فأما اللّه ، فإنه يتركهم وما عبدوا معه . وأما معبوداتهم ، فإنها لا تنفعهم لأنها عاجزة مملوكة مثلهم ، فما لهم - قطعا - من نصير . « 1 » الخطاب وسره : والخطاب وإن كان موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه عام للمكلفين . وسره مثل هذا الخطاب تنبيه الخلق إلى أن شرائع اللّه وتكاليفه عامة للرسول والمرسل إليهم ، وإن كان هو قد عصم من المخالفة فلا يبقى بعد ذلك وجه لدعوى مدع خروج فرد من أفراد الأمة المكلفين عن دائرة التكليف . وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) [ الإسراء : 23 ] . وقضى : يكون بمعنى الإرادة ، وهذا هو القضاء الكوني التقديري الذي لا يتخلف متعلقه ، فما قضاه اللّه لا بد من كونه . ويكون القضاء بمعنى الأمر والحكم ، وهذا هو القضاء الشرعي الذي يمتثله الموفقون ، ويخالفه المخذولون ، والذي في الآية من هذا الثاني . ربّك : الرب هو الخالق المدبر المنعم المتفضل . ( أن ) : مصدرية ، والتقدير : ب أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أي : بعدم عبادتكم سواه ، بأن تكون عبادتكم مقصورة عليه . فالعبادة بجميع أنواعها لا تكون إلا له ، فذل القلب وخضوعه ، والشعور بالضعف

--> ( 1 ) انظر : حاشية ابن الأمير على إتحاف المريد شرح جوهرة التوحيد ( ص 96 ، 106 ) .